ابداعات

لا تتعجلي الرحيل “قصة قصيرة”

سعيد الشوادفي

ذات يوم من أيام الشتاء وكانت الشمس ترسل أشعتها الدافئة من بين أحشاء السحب والغيوم، كان صدري يكتظ ضيق وقلق وقلبي يحترق من النار المؤججة بداخلي، أفكر في شيء أجهله وحب لم أعرفه وصوت أعرفه بل أعشقه وأعشق صاحبته التي لم أراها يوماً.
خرجت مدبراً هارباً من المنزل. هارباً من أعماق ذاتي، هارباً إلى الخلاء الفسيح.
ناظراً بعيني إلى الأفق البعيد، فوجدت أشعة الشمس الدافئة تمتد نحوي بعد أن أرسلتها مياه البحر كي تداعب وجهي الشاحب وعيناي السارحتان، وجدتها تناديني تقودني رغم عني؟ وفجـــــــــأة.
وجدت أقدامي تسير دون إرادتي، وجدت نفسي أقف أمام البحر ومياهه الدافئة اتجهت إلى الصخرة الرمادية اللون ناعمة الملمس وفوق قمتها كان مجلسي، أنظر إلى الأمواج.
أداعبها بحطام الصخر التي حطمته أقدام البشر
ورويداً رويداً بدأت أستسلم دون أن أشعر إلى بحور الخيال. وفجـــــــــــــأة. حين غفلة مني سمعت صوتاً يحرك وجداني من الأعماق يملأ قلبي بل يحتويني إلى النخاع يحرك أحاسيسي ومشاعري الساكنة، فانتصبت واقفاً أبحث عنه في كل اتجاه.
أترنح دون شعور. أصرخ. وأصرخ آه. هذا الصوت أعرفه منذ زمن طويل، إنه الصوت الذي أسمعه منذ الطفولة. أسمعه كل ليله.
نعم إنه صوتك أنتِ يا من أحبك منذ أن كنت في المهد رضيع، أحبك بكل دقات الفؤاد وأنفاس الهوىَ، أحبك بكل كلمات الأدباء وأبيات الشعراء، أحبك بكل لغات الطيور وتغريدهم. أحبك أنتِ. نعم أنتِ يا من تقرئين كلماتي بدقات قلبك، أحبك يا من تقبلين كلماتي بشفتيك
وتحتضنيها بجفون عينيكِ، نعم أحبك أنتِ ولكن؟
أين أنتِ الآن مني؟ متى اللقاء؟ فقد مل قلبي الانتظار
وفجأة وجدت صوتي يعلو. ويعلو وكأنه البركان
أبحث عنك يا حبي وعشقي وملاذي الوحيد، ولكنني تعبت من البحث دون فائدة فعاودت إلى الصخرة من جديد. وبعد وقت لا أدري كم كان عدد ساعاته سئمت من الجلوس فوق قمة الصخرة فتنحيت عنها غير بعيد.
ألقيت جسدي المثقل فوق الرمال وبقايا الحصى، وأخيراً عجز العقل عن التفكير وسيطر النوم على عيناي وأصبح ملء الجفون..
استسلمت إليه دون مقاومه أو عناء، وأخيراً كان بيننا اللقاء!
أود أن أصفها. ولكن؟ هيهات هيهات فقد عجزت يدي عن الكتابة وتاهت كلماتي بين أحشاء الصفحات، كيف أصفها وعقلي قد ذهب عنى؟ كيف أجرؤ حبيبتي أن أصف عيناكِ الزرقاوان
كأمواج البحر، كيف أصف شعرك الطويل طول السنين وليل الشتاء الموحش.
كيف أصف لونه الداكن كالليل عندما يشتد به الظلام، كيف أصف وجهك المستدير المشع بالضياء وكأنه القمر البازغ في كبد السماء!
الآن بدأ قلبي ينبض. ويداي ترتعشان، نظرت إليك والدهشة تملأ عيناي. فوجدت
ابتسامة الملائكة تملأ وجهك الجميل. ويداك ممدودتان نحوي
فباغتك بسؤالي وحبي وعشقي ولهفتي. وحنيني إليك منذ الطفولة والصبا والشباب، وسألتك سؤال؟ أتذكرين لا. تمهلي قبل أن تجيبي.
فلابد وأن تسمعين اعترافاتي فانا أعترف أنني عرفت قبلك الكثيرات. الحسناوات الجميلات.
ولكن لم تستطيع إحداهن أن تجعل قلبي ينبض نبضة حب واحده كما فعلتي أنتِ لم تستطيع إحداهن تحريك مشاعري وهز كياني كما فعلتي أنتِ. نعم أنتِ، أنتِ من امتلكت القلب وسكنتي الفؤاد، أنتِ من هيمنت على المشاعر والإحساس، أقسم لكِ أنني لم أعرف شيء في حياتي عن الحب إلا عندما سكن طيفك أحلامي وخيالي حبيبتي. نعم أنتِ، فأنتِ حبي. عمري. روحي. وجداني. كل حياتي، أنتِ كل كياني،
نعم أنتِ كل هذا. بل أكثر من هذا. أحبك حباً يفوق أن أكتب عنه ملايين الصفحات..
أنت الضياء عندما تشتد الظلمات، انت الدليل عندما تتعثر أقدامي في الفلوات، أنت الأمل. بل أنت الحياة، وكانت همساتك التي ملأت القلب غرام وحنين، أتذكرين.
فأنا ما زلت أذكرها، أتسمعينها. فأنا أحفظها عن ظهر قلب، أرددها في اليوم ملايين المرات. آه حبيبي ماذا تنتظر مني أن أقول؟
تنتظر أسمي، فماذا يعني أسمي بجانب كل هذا الحب! ولكن؟
أين أنا الآن منك؟ أما زلت تجهل أين أنا؟
فأنا جوارك، أنا هوائك، أنا في دمائك كما أنت في دمائي، أنا جسد يحيا بذكراك.
أنا روحك كما أنت روحي.
أنا أنت كما أنت أنا، أنا عيناك الناظرتان.
شفتاك الهامستان يداك النابضتان، أنا قلبك العاشق. وإحساسك الدافئ، أنا. كما أنت تشاء، ولكن؟ تذكر حبيبي غداً ها هنا اللقاء.
وبدأتِ ترحلين والعمر من وراءك يرحل والنوم يخاصم جفوني ووجدت نفسي أهتف قائلاً:
إنني في انتظار اللقاء. إنني في انتظار اللقاء.
أه. الشمس ذهبت كي تستريح فويحك يا قلبي أتأبى الرجوع؟
_ نعم لن أعود. لن أعود. فأنا في انتظار نفسي أن تعود!
فظللت عاكفاً وحدي فوق الرمال منتظراً بزوغ الفجر، امتلأ الليل بالبرودة والصقيع ولكنني أشعر وكأن بداخلي ناراً مؤججة، أشعر وكأن بداخلي بركانٍ يستعد للإنفجار، مر الليل وانقضى دون أن تنطبق جفوني، وجاءت أولى لحظات النهار، بدأت الساعات تمر ساعة تلو أخرىَ
وأنا أسأل نفسي؟ ترى هل سنلتقي؟ هل سأراها من جديد؟
وبعد عناء وتعب. وجدتك تقتربين مني مرتدية ثوباً أزرق أنيق، فأنا ما زلت أذكره، وجدتك تقتربين. تنادين:
أنت يا من تقف في انتظار لقائي، يا من تعرفني وأعرفك قبل أن أراك أو تراني، أنت يا من أحبك حتى الموت. أنت يا مهجة القلب وبهجة الفؤاد. أنت يا منى النفس وملاذ الروح، وبدأتي تهمسين. هل تتذكري!؟ فأنا أتذكر كلماتكِ جيداً.
كنتِ تقولين أحبك. نعم أحبك، وهل في هذا خجل، أعشق رؤياك منذ أن التقت الأرواح في حياة البرزخ قبل الميلاد، نعم أحبك أنت وهل في هذا شك!؟ هل الحب رذيلة يجب علينا أن نواريها عن عيون الناظرين!؟ هل الحب خطيئة يجب أن نتوب عنها؟
يا حــبيبي. إن كان الحب هذا وذاك! فأنت أولى رذائلي وآخر خطيئاتي.
أنت قلبي النابض بداخلي. أنت روحي السابحة في بحور الهوى. أنت عشقي. ووجدي.
أنت سهدي وغرامي. أنت حنيني، أنت انفعالاتي. وآهاتي. وتنهداتي، أنت دماء جسدي وقلبي المفعم بالحب، أنت الفؤاد ونشوته حين اللقاء وحين المغيب، يا حبيبي. أنت من أنا أهواه.. أنت من أعشق دوماً رؤياه!
وهنا اشتاقت روحي لعناق روحك. وبدأت تطوف وتسبح في بحور الهوى والفضاء البعيد! بدأت كلماتي تتناثر كالأزهار.
وغدوة أغزل ثوباً لك بالقبلات والآهات والشوق واللهفة والحنين. والخوف، نعم الخوف.
ولكنه ليس الخوف الذي تعرفه البشر والخلائق، أتذكرين عندما سألتني سؤالك الذي ما زلت أذكره، لماذا الخوف؟
أتذكرين حقاً فأنا ما زلت أسمع رنينه في أُذني حتى الآن، وهل ما زلتِ تذكرين بماذا أجبتك.
تمهلي لا تتكلمي فأنا ما زلت أذكر كل حروف الكلمات، كانت إجابتي. حبيبتي أخاف أن تهجري العُش عندما ينتهي الشتاء.
أخاف أن ينتهي اللقاء قبل اللقاء.
أخاف أن تتواري بين أحشاء الزمن وتتبعثر الذكرى بين طيات السنين، ثم نظرت إليكِ والدمع يتساقط من عيناي العاشقتان والآهات تمزق طلوعي.
والوحشة تقتلني. تبترني من أعماق ذاتي.
فوجدت يداكِ الناعمتان تمتدان نحوي تجفف دموعي، تمحوا آلامي وتزرع الأمل بداخلي من جديد، وفجأة!
وجدت عيناكِ تحتضنني. تعانقني. تملئني بالأمل. وتمحوا من داخلي اليأس والآهات وتدعوني للحياة.. آه. فهل بدونكِ تستمر الحياة؟ هل بدون الشمس يأتي النهار؟ هل بدون الدماء ينبض القلب؟ هل بدون الروح يكون للجسد تأثير؟ أتذكرين كلماتك!؟
أنا روحك كما أنت روحي!
أتذكرين عندما قلتي لي أنا أنت وأنت أنا، فأنا ما زلت أذكر كل همساتك.. أذكر كل أنفاسك الملتاعة التي احتضنتها بصدري، أملأ بها شراييني وأوردتي. أستمد منها الحياة. آه. الحياة!
الحياة من أجلك أنتِ، من أجل عينيكِ. وجنتيكِ. شفتيكِ التي أذابت قلبي بهمساتها الساحرة.
الحياة من أجل قلبك الحنون. وأحاسيسك الفياضة بالرقة والعذوبة، كانت حياتي من أجلك أنتِ! نعم أنتِ!
كنت أعبر الحاضر بقارب من الأمل، أسبح إلى المستقبل المنير مبحراً إليكِ موقناً أنني سأجدك يوماً في انتظار لقائي، كنت أعرف ملامح وجهك، أحفظها عن ظهر قلب، فانتِ محفورة داخل قلبي. منقوشة فوق لحمي، بارزة في عظامي، أنتِ. نعم أنتِ، أنتِ في كل أعضاء جسدي، أحيا بحبك. أتنفس حبك. أسير بحبك، أخاف أن ينزف دمي فوق الرمال. فوق الطرقات فوق الرُبى. فوق السفوح. أتعلمين لماذا!؟
فإن نزف دمي ستعرف كل البشر من أنتِ! لا. بل ستعرف كل الخلائق من أنتِ.
أتدرين لماذا!؟ فالدم سوف يرسم صورتك الجميلة ويكتب اسمك الذي أُواريه بين دقات قلبي وأخفيه بين عظامي. أجعله حبيس بين أنفاسي. وآهاتي. ونظراتي. وتنهداتي التي تشعل النار ناراً. أنتِ حبيبتي ولن يكون لي غيرك حبيبة. لن يكون لي غيرك رفيقة في عمري..
فأنا أحبك بكل ما أُتيت من أحساس ومشاعر. أحبك ولن أستطيع نسيانك.. أحبك أنتِ، كما أنتِ أحبك.. نعم أحبك أنتِ، ولكـــــن!؟ هل تستطيع كلمة حب أن تعبر عما بداخلي؟ هل مائة عام تكفي كي أحبك؟ هل ألف عام بل آلاف الأعوام تكفي أن أعبر عن ذرة واحدة من حبي وغرامي وحنيني إليكِ.. انتظري، فأنا بداخلي الكثير.. بداخلي حب لا يعرفه إنس قبلي ولا جان، ولكنك لم تنتظري؟ أتذكرين!؟ أتذكرين حين امتلئ وجهك بالابتسامة الرفيقة، أتذكرين عندما بزغت ثناياك الجميلة وكأنها اللؤلؤ المرصع بالذهب الخالص.
هنا قلتِ:
نعم أذكر حبيبي، فكيف أنسى وكل كلمه أحيا بذكراها. أرددها في كل وقت وحين، فأنت ما زلت بداخلي. أنت حبيبي. عمري، أنت الضياء الذي يملأ حياتي.. أنت ريحانة قلبي. وزهرة فؤادي، أنت النسمات الندية التي تداعب وجنتاي وشعرى الذي يعشق لمسات يديك.
حبيبي بكل دقة في قلبي أحبك، بكل نبضه دم تسري في أوردتي وشراييني. بكل حروف دواوين الشعراء. وروايات الأدباء أحبك.. بكل تغاريد الطيور وعدد النجوم أحبك، نعم أحبك بكل عدد غيمات السحب وقطرات المطر ونسمات الهوى أحبك.. أه. حبيبتي قد حل المساء واقترب المغيب. ومرت الساعات سريعا ًدون شعور منك أو منى، فكيف نشعر بمرور الوقت ونحن التقينا في حين غفلة من الزمن.. كيف نشعر ونحن نتجرع الحب في كؤوس الهوى. ولكن لابد من الرحيل فقد رحل كل من كان حولنا ولم يبقى على الشاطئ غيري. أنا. وأنت.. ولكن إلى متى ستظلين جواري.
لا. لا تقولي إلى أخر العمر. فأنا أعرف ماذا تقولين.. ولكن لابد وأن ترحلي، فأنا أخشى عليك من أي سوء، أخشى عليك من الظلمات ولفحات البرد القاسية وكأنها ضربات جلاد تملأ البهجة قلبه عندما تتألم البشر.. وافترقنا على وعد بلقاء جديد، افترقنا والدموع الغزيرة لم تتوقف، وكانت أخر كلماتك وأنت ترحلين. يا حبيبي كن في انتظار لقائي! فإني سوف أعود!! سوف أعود.. افترقنا ومر من الزمان ما مر وبقي منه ما بقي ولم تأتى للقائي ولا اعرف ما الذي منعك عنى؟ وها أنا ما زلت في انتظار حضورك. ولكن؟ هل ستعودين كما وعدتني؟
هل سنلتقي من جديد؟ هل ستعود الحياة للونها البديع؟ هل ستعود الروح إلى الجسد؟ هل سينبض القلب وتعود له الحياة؟
حبيبتي أنا ما زلت عاكفاً بجوار الصخرة التي شهدت اسعد لحظات حياتي.. حبيبتي. أنا أعلم أنك سوف تقرئين هذه السطور يوماً وستعلمين أنني أكتبها إليكِ أنت، لكِ وحدك، نعم أنت. فأنتِ وحدك التي تحفظ كل كلمه كتبتها يدي. تشعرين بكل دقة كان يدقها قلبي عندما أمسكت القلم وأحضرت الورقات، أنت وحدِك من ترىَ دمعتي فوق الصفحات، ولكن حبيبتي؟
لا تحزني فقد ذهبت روحي تبحث عنكِ ولم تعود كما فعلتي، فإن تقابلتما سوياً فعودا.. عودا إلى الصخرة. نعم الصخرة التي ستظل عاكفة في انتظار لقائك. ولكن؟ كوني حذرة جداً. فجوارها تكمن رفاتي، فلا تهمسي ولا تدمعي، واستمعي جيداً فسوف تسمعين شدوا الرفاه..
سوف تسمعين كلمات لم تسمعيها من ذي قبل، سوف تسمعين لحناً عذباً جميلاً يعزف من أجلك أنت، فحين إذن حبيبتي رددي معه الكلمات ودعي البكاء. جففي الدموع فكل جزء من رفاتي يشتاق لأن يرى ابتسامتك العذبة النقية البريئة، فلا تبخلي بها يا حب ما زال باقي، ولا تتعجلي الرحيل واجلسي بجواري. نعم اجلسي بجوار الصخرة التي تكمن بجوارها رفاتي، الصخرة التي جلست فوق قمتها. كثيراً أناجيك ليلاً ونهار حتى رحلت الروح عنى، وسكن بجوارها جسدي، سيرى بجوار البحر فوق الرمال. فما زالت أثار أقدامي عليه، والآن أعلنها بدون خجل أو خوف، أعلنها وليسمعها كل الأحياء والأموات، أعلنها وليسمعها كل العالم
أحبك أنتِ. نعم. أحبك أنتِ رغم الرحيل.
تمت

error: هذا المحتوى خاص بجريدة الموجز العربي وهو محمي حسب حقوق النشر وقد يتعرض ناسخ المحتوى للمسائلة القانونية
إغلاق