مقالات الرأي

كورونا على الفحم


قصة قصيرة
بقلم/ سعيد الشوادفي
في تمام الساعة الواحدة بعد منتصف ليل يوم الإثنين، ملأ رنين الهاتف المحمول الغرفة ضجيج، استيقظت فزعاً لا أدري كيف نسيت أن أكتم صوت هذا المزعج الصغير، كما تعودت منذ زمنٍ بعيد، أمسكت الهاتف بيدٍ متثاقلة، تكاد لا تقوى على حمله، نظرت في شاشته التي لا تتعدى بعض الإنشات بعيني الشبه مغلقةٍ، ودون أن أتبين من المتصل، ضغطت زر كتم الصوت ليريحني من هذا الإزعاج، ألقيت الهاتف فوق المنضدة البلاستيكية كما كان،

وقبل أن أغمض عيني وأغوص في بحور النوم العميق، لعلي أنجح في العودة إلى حلمي الذي لم يفارقني منذ عامٍ أو يزيد، ظهر اسم المتصل أمامي وكأنه يُعرض على شاشة عرض عملاقة، اعتدلت وأنا ألتقط الهاتف قائلاً:
اللهم اجعله خير، فتحت الهاتف أبحث عن أخر اتصال ورد إليّ حتى أتأكد أنه حقيقة لا مجال فيها للشك، يا الله. افعلتها مرة أخرى أيها الهاتف الأخرق!؟ أمحوت سجل المكالمات دون أن آذن لك بذلك؟ تباً لك أيها اللعين، كيف لي أن أعرف من كان المتصل؟ كيف لي أن أعلم أن هذا الضجيج كان حقيقياً وليس من وحي خيالي المريض الذي هيأ لي مثل هذه الأمور من قبل؟


إذن سوف أتصل على صابر الآن، فإن كان هو المتصل سوف يكون ما زال مستيقظاً، آه. وإن لم يكن هو؟ هكذا حدثتني نفسي، خاطبتها بلا مبالاة قائلاً:
لا عليكِ سوف أتدبر أمري وأعتذر له على إزعاجي في مثل هذا الوقت، لا لن أتصل به، بل سوف أتصل فهو بالتأكيد ما زال مستيقظاً، نعم. بالتأكيد مستيقظ فهل ينام أحداً ليلاً في زمن الكورونا هذا!؟ لقد تغيرنا كثيراً، أصبحنا نيامُ في النهارِ غارقين في العالم الأزرق والأحمر حتى بزوغ الشمس، وربما كثيراً منّا ينام دون أن يصلي الفجر.


أخيراً أمسكت الهاتف أبحث عن اسم صابر حتى وجدته، ضغطت زر الاتصال سريعاً قبل أن أتردد، وبعد لحظات جاءني صوت صابر معاتباً:
لماذا لم تجب اتصالي منذ قليل يا محمود؟ هل كنت نائمُ؟ أم أنك لا تريد الحديث معي؟


تنفست الصعداء، وزفرتُ ما بداخلي من هواجس، وشكوك مست عقلي وعافيته، إذن كان هو المتصل، ولم أكن أتخيل هذا الأمر، أجبته قائلاً بغضبٍ مفتعلٍ:
دعك من هذا الحديث الذي لا طعم له ولا رائحة يا صابر، فلو لم أُريد الحديث معك ما اتصلت بك الآن ولكن، دعك من الجدال المعتاد وأخبرني لماذا تتصل في مثل هذا الوقت؟

  • اتصلت لأخبرك أننا سوف نذهب معاً إلى القاهرة بعد غداً، فقد تم تحديد موعدُ لي لمقابلة مدير الشركة الفرنسية التي كنت قد قدمت فيها أوراقي للحصول على وظيفة.
    متى الموعد يا صديقي؟
  • بعد غداً في تمام الساعة الحادية عشر صباحاً، لا نريد التأخير يا محمود، فأنت تعلم انضباط الخواجات في المواعيد.
    إذن سوف نصلي الفجر غداً ونتحرك بإذن الله.
  • فليكن ذلك يا صديقي.
    أغلقتُ الهاتف وظللتُ أجلدُ في ذاتي جلداً، وألومها وأعنفها. فأنا أخافُ إن أُصبتُ بعدوى هذا الوباء اللعين أن أموت، لماذا نظرت إلى شاشة هذا الهاتف اللعين؟ لماذا عاودت الاتصال به؟ لماذا لم أعود للنوم واستكمال حلمي وأبحر مع محبوبتي في بحور الوجد والغرام؟ لماذا لا أحطم هذا الهاتف المزعج حتى لا يتصل بي أحداً بعد الآن؟ تباً لي ولحماقتي، هل يعاود أحد الإتصال على من اتصل به ولم يجيب اتصاله؟

  • آه. لن أذهب معك يا صابر، كيف أذهب معك وأنا منذ أن حل هذا الوباء وأنا حبيس في المنزل، لا أخرج أبداً حتى الصلاة أصبحت أصليها في البيت، نعم لن أذهب وسوف أقطع علاقتي بك منذ الآن، سوف أغلق الهاتف وحينما تعود من القاهرة، سوف أخبرك كذباً بأن الهاتف قد تعطل، وأنني نمت وكأنني لم أنم من قبل.

  • كيف أذهب معك وأنا أخاف على نفسي كثيراً، أخاف أن أصاب بالعدوى وأموت.
    آه. لقد كرهت اليوم الذي فضلت فيه السيارة على الزواج، لماذا اشتريتها؟ ألم يكون الزواج أولى منها؟
    مر الوقت وأنا على هذه الحال، لم أستطع النوم ولم تداعبني أحلامي كما كنتُ أصبو وأتمنى، أشرقت الشمس وغردت الطيور، تمنيت أن تتعطل عقارب الساعة ويتوقف الزمن، تمنيت ألا يأتي يوم عذاً، لا أريد الموت بهذا الوباء، لا أريد أن أدفن بلا مشيعين، أتمنى أن تقتحم اللصوص بيتي ويقومون بسرقة هذه السيارة اللعينة. ليتني ما اشتريتها يوماً.

  • مر اليوم وانقضى، وجاء الليل بستائرهِ الضبابية، وأنا في شدة الخوف والعصبية، وقبل الفجر بساعة أو يزيد، أخرجت السيارة من مخبئها وجدت الأتربة تغطيها، أحضرت خرطوم المياه، وضعته في الصنبور وبدأت عملية التطهير بالماء والكلور والصابون، بعد أن انتهيت من غسلها أشعلت المحرك وتركته يعمل حتى صليت الفجر وعدت إلى المنزل وأنا أتمنى أن تكون قد أخذتها اللصوص، ولكنها أضغاث أحلام وحديث نفس، لقد وجدتها ما زالت قابعة كما تركتها وحيدة، إذن لا مفر من الذهاب إلى هذه المدينة الصاخبة.
    في تمام الساعة الرابعة رن الهاتف، ودون أن أنظر لأتبين من المتصل، أجبت الاتصال، فأنا أعلم أنه ذاك المزعج صابر.
    تكلمت ببعض العصبية قائلاً:
    هيا اجهز فأنا في الطريق إليك.
    أنهيت المكالمة مع صابر وأنا أعلم يقيناً أنه يضحك ملء فيه، ولكن ليس أمامه بديل، لابد أن يتحمل غضبي وعصبيتي المزعومة.

  • أخيراً وصلت إلى بيت صابر، وجدته في انتظاري أمام البيت، استقل السيارة بجواري دون أن ينبس ببنت شفة.
    سألته بحدة:
    هل أحضرت لنا الكمامات.
  • نعم أحضرتها وأحضرت القفازات أيضاً.
    انطلقت في طريقي إلى القاهرة وأنا أقود ببطء، لم أتجاوز الثمانين كيلو متر في الساعة، فإن المسافة بين كفر الشيخ والقاهرة بضع ساعات قليلة، وهذا يتيح لي الاستمتاع بكل ما أراه على جانبي الطريق.
    أخذت أتأمل الطريق وكأنني أره للمرة الأولى، الطريق شبه خالي بعد أن كانت السيارات تلتهمه صباحاً مساءً التهاما، بل كانت تطيحُ به ورائها وتنهبهُ نهبا، وجدت الأشجار قد ازدادت اخضراراً، وجدت الزهور ذو قامة مرفوعة إلى العلياء، نظرت إلى السماء وجدتها صافية ليس بها عوادم سيارات ولا أدخنة مصانع.. يا الله. هل حرمت نفسي من هذا الجمال بخوفي من الكورونا؟
    أخيراً قد وصلنا إلى بداية المحروسة، نعم وصلنا قبل الموعد بساعات، ولكن الوضع في القاهرة مختلف كثيراً، فهي حقاً مدينة صاخبة، زحام شديد وكأن الوباء قد انتهى دون أن أعلم بذلك، حافلات مملوءة بالركاب دون كمامات، بشر يهبطون إلى المترو وغيرهم يصعدون، الشوارع مملوءة وكأن العيد غداً، يا الله. هل عادت عربات الفول والطعمية تملأ الأرصفة من جديد؟ ترى كيف تكون القاهرة في مناطق الزحام كالعتبة والحسين والموسكي، وخان الخليل.
    ضحكت لأول مرة منذ أن خرجنا من كفر الشيخ قائلاً:
    هل كل هذا الزحام على الفول والطعمية أم أنه يخيل إليّ؟
    نظر إليّ صابر قائلاً:
    ما رأيك أن نجلس في المقهى نشرب فنجان قهوة؟
  • لا. بل سوف نقاتل ونتزاحم مع المتزاحمين للحصول على بعض الساندويتشات.
    نزعت الكمامة من وجهي وتزاحمت تحت رقابة وذهول صابر حتى وصلت، نظر لي البائع قائلاً:
    تحت أمرك يا بيه، ماذا تريد؟
    أجبته بابتسامة باهتة:
    أريد! نعم أريد. حقاً أريد..
    قال البائع بصبر نافذ:
    ماذا تريد يا بيه.
  • اثنين كورونا على الفحم.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى خاص بجريدة الموجز العربي وهو محمي حسب حقوق النشر وقد يتعرض ناسخ المحتوى للمسائلة القانونية
إغلاق