حوار

“الرواية الجزائرية أثبتت حضورها في المشهد الأدبي العربي والعالمي قبل وبعد الاستقلال” حوار مع الأستاذ “طيبي بوعزة”

حاوره/ سعيد شاكري

طيبي بوعزة باحث جزائري، من مواليد ولاية تيسمسيلت، عامل بالقطاع التربوي كأستاذ تعليم متوسط للغة العربية، طالب دكتوراه بجامعة ابن خلدون تيارت، تخصص اتجاهات النَّقد المعاصر في الجزائر، مهتم بالأدب الجزائري ونقده، له مجموعة من المقالات العلمية المحكمة الوطنية والدولية، شارك في العديد من الملتقيات الوطنية والدولية.

– بداية ما هو واقع النقد الأدبي اليوم في تصوركم؟


النَّقد الأدبي قرين الأدب وهما وجهان لعملة واحدة (العملية الإبداعية)، وتطور الأدب مرتبط بتطور النَّقد الأدبي، فلا يُعقل أن يُجدِّد الأدب أدواته وتقنياته الفنِّية وطُرق تعبيره ويبحث عن سبل جديدة مبتكرة لتأدية المعنى (التَّجريب الفنِّي) ويبقى النَّقد الأدبي بالآليات الإجرائية ذاتها، بل لا بد له من مسايرته ومواكبته وهو ما لن يتأتَّى إلا بمتابعة الإبداع الأدبي ورصد الظواهر الفنِّية، وعليه، فالنَّقد الأدبي في متابعة دؤوبة لمستجدات السَّاحة الإبداعية الفنية، والدليل هو تلك الدراسات النَّقدية التي تصاحب الأعمال الأدبية الجديدة سواءً كانت الجدَّة زمنيا أو فنِّيا أو تقنيا،

وأحسن مثال عن ذلك الدراسات التي رافقت رواية عبد الوهاب عيساوي “الديوان الإسبرطي” الفائزة بجائزة البوكر العربية 2020م. على أنَّ ما سبق ذكره يمكن حصره في فئة ضيِّقة من النَّقاد التي تكرسُ وقتها وجهدها لدراسة وتحليل وتقييم الأعمال الأدبية الحديثة وكذا مواكبة النَّقد الأدبي بكل ما يحمله من نظريات ومناهج وآليات إجرائية… إذن، يمكننا الاطمئنان للقول أنَّ النَّقد الأدبي متواجد في المشهد الأدبي بل يمثِّلُ جزءا لا بأس به من واقعه على الرَّغم من اختلاف تَمثُّلات النُّقاد لمناهجه ونظرياته…

– أين تكون الممارسة النَّقدية أكثر في الشِّعر أم النَّثر؟


إنَّ الممارسة النَّقدية الجادة لا تحفل بجنس النَّص الأدبي إن كان شعرا أو نثرا، بقدر ما تُعنى بالمادة الخام التي يصاغ بها النَّص الأدبي، وهي “اللغة”، واللغة مادة الشِّعر كما هي مادة النَّثر، وعليه فالممارسة النَّقدية لا تُفرقُ بينهما، وإن كان النَّقد العربي القديم قد أولى الشِّعر حيزا كبيرا من اهتماماته إلا أنَّ النقد المعاصر لا يرى فيهما سوى نصا أدبيا قابلا للنَّقد.

– ما رأيكم في المشهد الأدبي الجزائري؟ وهل يرقى لمستوى التَّطلعات؟


يبدو واضحا أنَّ المشهد الأدبي في الجزائر قد استبدل المقولة التراثية التي ترى بأنَّ الشِّعر ديوان العرب بالمقولة الحداثية التي جعلت من الرواية ديوان العرب الحديث، وهي مقولة يمكن إسقاطها على الواقع العربي في عمومه، فقد علا صوت الرواية فيما انسحب صوت الشِّعر، وهذا لا يعني الغياب التَّام للشِّعر الجزائري، بل على العكس هناك ثلَّة من الشعراء الجزائريين قادرة مقتدرة على الظَّفر بإمارة الشعر العربي، غير أنَّ الواقع الأدبي يثبت العكس، فالرواية أكثر استقطابا للدراسات الأدبية والنقدية (رسائل الدكتوراه والماجستير والماستر والمقالات العلمية…)

كما أنَّها تحقق نسبة مرتفعة في المبيعات وكذا معدَّل النَّشر سنويا، حتَّى أنَّ هناك دُور نشر لا تنشر إلا الأعمال الروائية ونسبة بيع الروايات في المعرض الدولي للكتاب هي الأعلى، ويمكننا الذهاب إلى أبعد من ذلك ودون مبالغة فالرواية أضحت جنسا أدبيا مستبدا طغت على بقية الأجناس الأدبية الأخرى. وعليه فالمشهد الأدبي في الجزائر مشهد غلب عليه اجنس الرواية وبامتياز،

أمَّا إن كان يرقى لمستوى التَّطلعات أم لا؟ فالأمر صعب نوعا ما، لأنَّه مرتبطٌ بالكثير من العوامل، لعلَّ أهمَّها: الذَّوق الفنِّي -والذوق في عمومه لا يُبرَّر- فما يروق لقارئ قد لا يروق لقارئ آخر، وهناك أيضا الخلفيات الفكرية والفلسفية للقارئ (والناقد) والتي غالبا ما يصدر عنها الحكم (النقدي)، وهناك أيضا الجانب الجمالي والواقعي في العمل الأدبي… أمَّا بالنسبة إلى النَّاقد الأدبي فهو يبحث دائما عن الكمال في العمل الأدبي، وعليه فمن الصَّعب أن يروقه نص أدبي حتَّى وإن استحسن بعض النَّماذج.

– كيف تصف العلاقة بين الناقد والأديب؟


للأسف علاقة مشوهَّة إلا فيما ندر، مشوهة من زاوية نظر الأديب الذي يرى في كل ما قد يُقال في نصوصه انتقاصا منها ومحاولة للنَّيل منه، فلا يُرضيه إلا المدح والثَّناء، ومشوهة أيضا من زاوية النَّاقد صاحب النَّظرة الاستعلائية، فلا يرى في الإنتاج الأدبي ما يستحقُ النَّقد، والمنطق يُوجهنا إلى ضرورة أن تكون هذه العلاقة علاقة تكامل، فالنَّص الأدبي

ومن ورائه الأديب دون نقد لا يساويان شيئا وكذا الناقد في غياب النَّص الأدبي لا يساوي شيئا، على أنَّ مهمة النَّاقد ليست التقويم والتحليل فقط، بل ينبغي أن يكون نقده قراءة جديدة للنَّص الأدبي، ونستثني من الحديث السابق فئة من النقاد التي تحاول -بحقٍ- مقاربة النصوص الأدبية والكشف عن مواطن الجمال فيها بكل موضوعية وفئة أخرى من الأدباء تتنظر بشغف كل ما يمكن أن يُقال حول نصوصها بغض النَّظر عن طبيعته.

– هل يُعدُّ النَّقد فنا؟


يرى “عبد المالك مرتاض” أنَّ الفن يعني كل نتاج جمالي بواسطة كائن واعي، ووفق هذه الرؤية، نعم يمكننا أن نعتبر النَّقد أحد تفريعات الفن وليس الفنَّ في حدِّ ذاته، فالأديب (شاعرا كان أو روائيا أو قاصا…) عندما يتفنَّن في عمله الأدبي مركزا على الجوانب الفنية والجمالية فيخلق للمتلقي عوالم مبتكرة لا عهد له بها فهو فنَّان، وهو بذلك يتشارك مع الفنَّان التشكيلي والموسيقي والممثل المسرحي والنَّحات… فكل واحد من هؤلاء يسعى لبلوغ الخير والكمال وهذه الأخيرة هي وظيفة الفن الرئيسة.

– ماهي نقاط التشابه والاختلاف بين النقد الأدبي القديم والنقد الأدبي الحديث؟


الأصل في النَّقد الأدبي الحكم على النَّص الأدبي على أن لا يفهم منه (الحكم) الوقوف على الجوانب السلبية فقط، بل يتعدَّاه إلى إبراز مواطن الجمال والجمالية، وهذا أهم مواطن التشابه بين النقديين، أمَّا عن مواضع الاختلاف، فلعلَّ أبرزها فهو المنهج، فنقدنا العربي القديم افتقر للمنهج وآلياته، وكان في عمومه نقدا تذوقيا انفعاليا تأثريا غير مبرر في الكثير من نماذجه عكس النقد الأدبي الحديث الذي ينطلق من مفهوم المنهج في مقاربته للنصوص الإبداعية متَّبعا خطوات واضحة مرتكزا على آليات إجرائية دقيقة في مقارباته


.
– كيف يتجلى دور النقد في النهوض بالأدب؟


بالمتابعة والتقويم والتحليل والتأطير المنهجي، خاصة مع الأقلام الشابة الواعدة، فمن الواجب على النَّاقد الأدبي الأخذ بيدها وإرشادها إلى هفواتها وتثمين محاولاتها.

– كيف ترى واقع الرواية الجزائرية وحضورها في الساحة العربية والعالمية؟


لطالما أثبتت الرواية الجزائرية حضورها في المشهد الأدبي العربي والعالمي قبل وبعد الاستقلال، فبالإضافة إلى الروايات الجزائرية المكتوبة باللغة العربية التي كانت تصل مشارق الأرض ومغاربها ناقلة هموم وآمال وآلام المواطن الجزائري البسيط بأقلام شابة واعدة حينذاك، كانت هناك أقلام تكتب باللغة الفرنسية ساهمت بدورها في إبلاغ صوت الجزائر والجزائري إلى العالم ككاتب ياسين ومحمد ديب وآسيا جبار وغيرهما كثير.


لا يمكن إنكار الحضور القوي واللافت للرواية الجزائرية في حضور العديد من الأسماء التي ترجمت أعمالها لأكثر من لغة عالمية وحصدت العديد من الجوائز الأدبية الراقية، نذكر على سبيل المثال لا الحصر: الطاهر وطار، عبد الحميد بن هدوقة، أحلام مستغانمي، فضيلة فاروق، ياسمين خضرة، الحبيب السايح… أمَّا عن الرَّاهن، فأعتقد أنَّ ما حقَّقه الروائي عبد الوهاب عيساوي مؤخرا كفيل بالإجابة عن تساؤلك.


– ماهي الأخطاء الأكثر شيوعا التي يقع فيها الكتاب؟


لا أعتقد أنَّني مخول بالإجابة على سؤال كهذا، فالأمر مرتبط بمدى متابعة النتاج الروائي وتتبُّعه دراسةً وتحليلا، ولكن وبالنَّظر إلى النماذج الروائية التي طالعتها لغاية اللحظة، يمكنني حصر الأخطاء التي يقع فيها الروائيين بكثرة -خاصة الروائيين الشباب- الهفوات السردية سواء ما تعلق ببنية الحدث أو الشخصية والحيز الزمكاني(عدم امتلاك النَّفس الطويل في الكتابة)

وهو أمر يعود لقلة التجربة الروائية ولكن يمكن تداركه ومعالجته مستقبلا، بالإضافة إلى الأخطاء اللغوية على اختلاف تفريعاتها والتي أصبحت تُنفِّرُ القراء من مواصلة فعل القراءة خاصة في غياب سياسة واضحة للتَّدقيق اللُّغوي، وهناك أيضا التَّسرع في نشر العمل الأدبي وقصر مدَّة الكتابة التي لا تتجاوز العام الواحد عند البعض. وهناك عامل آخر مهم هو دور النَّشر التِّجارية التي تعنى بالجانب المادي على حساب الفنِّي.

– ماهي أبرز المواضيع النقدية الأدبية التي تطرق إليها الناقد طيبي بوعزة في أبحاثه مقالاته؟


مازلت أتحفَّظ على لقب “النَّاقد” وأشدُّ بيدي على صفة “الباحث”، فلا أحد يدَّعي معرفة الحقيقة المطلقة وطريق النّقد الأدبي طويل وشاق ومرهق. أهتمُّ في أبحاثي بالأدب الشَّعبي كثيرا خاصة المحلي، وأول مقال علمي لي (منشور في مجلة جيل للدراسات الأدبية) كان حول حكاية “ودعة مشتتة السَّبعة” وهناك دراستين أيضا حول حكاية” نص ذهب ونص فضة” وحكاية بزيمة الفضَّة” كما هناك دراسة أخرى حول قصيدة شعبية للشاعر عبد القادر هني “لا تستشهد”

كما لدي دراسات أخرى حول الرواية تتنوع بين ظاهرة التجريب الفني وشعرية اللغة وجمالية المكان والتصنيف النقدي للرواية الجزائرية، ودراسات أخرى حول الشَّعر، منها: التشكيل الهندسي في ديوان ما لم يقله المهلهل لـ”امحمد زبور”، وأخرى حول المضمون الثوري في ديوان الطيب معاش، ودراستين حول قصيدة النثر الجزائري، وهناك مشروع مستقبلي -إن شاء الله- يتمثل في دراسة وتحليل مجموعة من النصوص لأدباء محليين (قراءات نقدية في نصوص ونشريسية).

كلمة أخيرة تُوجهها للقراء والمتابعين؟


سعيد جدا بهذه النافذة الثقافية التي أتحتموها لنا، شاكر لكم هذه الفرصة، مؤكدا على ضرورة النهوض بالفعل الثقافي والأدبي بعيدا عن الذَّاتية والشخصنة.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى خاص بجريدة الموجز العربي وهو محمي حسب حقوق النشر وقد يتعرض ناسخ المحتوى للمسائلة القانونية
إغلاق