غير مصنف

نص “هذيان منفرد” بقلم الاستاذ علي العياشي _تونس

ةصحة فطوركم. (…) فلسفيّاته القديمة في العشق اللّا إرادي و الحبّ الأفلاطوني هي من ستشنقه على شجرة التعاسة و تعطي لموته بريستيجا خاصّا.” شهيد …اللّعين الحاذق.وُلد يوم أحبّها ومات يوم عشقته.” هكذا سيكتبون على مشهد قبره. كان أحبّها ذات عشق ما بين رصاصتين و مرق راحلا ما بين دابّة و دبّابة.لم يكن ليحتمل تلكّؤها و لم تكن لتتحمّل عناده.جمعهما عشق فلسطين و زهور النرجس و أطفال الشوارع.كانت هي تتقن لعبة الأسْر,وكان هو يحذق فنّ المقاومة.تعلّمت مهارتها من الاحتلال وأخذ مهارته من الفدائيين.أزهار النرجس كانت شاهدة على التفاصيل و أطفال الشوارع اكتفوا بمراقبة ما يحدث. كان الوطن بالنسبة إليه يمتدّ من القلب إلى الحتف. هي كانت ترى أنّ الوطن يمكن أن يُخْتصَرَ في خيمة تقي الأطفال من قطرات المطر التي يعشقها العشّاق و يكتبها الشعراء.عاملها كما يعامل الشّريفُ وطنه فأحبّها, و عاملته هي كما يعامل الوطنُ أبناءه فهجرته, و يوم وقفت على قبره بمجرّد أن انفضّ مودّعوه, عشقته كما لم تعشق مخلوقا.فهمت أنّها أطلقت الرصاصتين على الإجابة الصّحيحة… بائعة الخبزعلى ناصية الشارع,عجوز خبرت لهب الفرن و حرارة العشق و مرارة الحرب و آلام المخاض, قالت لها مرّة ” أنت عاشقة,واضح من بريق النّار بعينك اليسرى”خانتها عيناها هذا اليوم..العينان أصدق الخائنين…نسيت باقي النقد و سارت تحت قطرات المطر. اقتسمت جزأه من الخبز و خبّأته .اليوم سيأكله الطيْرُ بدلا عنه.كم كان يعشق العصافير و هي تنقرُ فتاتَ الخبز على راحة يده …كانت تتّهمه برشوة العصافير كي لا تنقل لها حماقاته .وكان ينظر لها مُبتسما .كان ذلك يغيضها رغم أنّها تتعمّد أن لا تظهر ذلك الشعور, أمامه على الأقلّ. كان يعلّق:” بهذا أنا معفيّ من نثر الحَبّ على رؤوس الجبال, ها أنا أنثر الحَبَّ والحٌبَّ معا”, تحدجه بنظرة خاطفة و لا تستطيع أن تمنع ابتسامتها, ابتسامتها التي كانت كلّما دسّتها له في الكلام أوفي الصّمت ,يفقد السيطرة كليّا على تدفّق الأدرينالين في شرايينه. كان يقول لها: ” ابتسامتك مُحْتلّة… أتعلمين ذلك؟ فتمعن في تقدّم جرّافات احتلالها لتقول ” وأنت طبعا تكره المحتلّ.” علّق في الحين: ” قد يعشق المحتلّ محتلّه في حالة واحدة …إذا قذفه بالابتسامات بدل القنابل,إذا كانت “عناقيد العشق” بديلا عن “عناقيد الغضب”. ضحكت…مدّت يدها تبحث عن يده…قبضت على الفراغ…انتبهت …انتبهت لوجهها المبلّل حين أرادت أن تعالج دمعة كبيرة ظنّتها الأولى…انتابتها رغبة ملحّة في التخلّص من مخزون غددها الدمعيّة دفعة واحدة.لمن تختزنها بعد رحيله؟

متابعة :صلاح الرحيمي _تونس

اترك تعليقاً

error: هذا المحتوى خاص بجريدة الموجز العربي وهو محمي حسب حقوق النشر وقد يتعرض ناسخ المحتوى للمسائلة القانونية
إغلاق