مقالات الرأي

سامح عسكر يكتب: أسرار الأيوبية (1)

 سامح عسكر


ولد صلاح الدين الأيوبي عام 532 هـ في مدينة تكريت بالعراق، التي كانت آنذاك مدينة كردية وإليهم يعود نسب الأيوبي حسب ابن الأثير وابن خلكان وغيرهم، وللمهندس عبدالغني محمد الأيوبي دراسة –معاصرة -لإثبات أصوله العربية الأموية في كتابه..”الأمراء الأيوبيون عبر التاريخ”..برواية ونسب المقريزي، وسواء كان كرديا أو عربيا فنحن لا يهمنا العرق والقومية، والإنسان بعقله وقلبه وأفعاله لا بنسبه وانتمائه، وفي تلك الدراسة نبحر في شخصية صلاح الدين بتحرير معالمها لأهميتها تاريخيا وسياسيا في العصر الحديث..

ولا يهم أيضا استعراض سيرة صلاح الدين فليس المقصد من البحث والتحري عنه أن نغفل جانب النقد والبحث التاريخي لصالح استعراض قصته، كي لا يغلب على بحثنا الجانب القصصي وما يعيبه من السرد والشطح ونسيان أهم شئ..وهو أن نتعرف على أكثر شخصية جدلية في التاريخ شغلت الرأي العام طيلة الأسابيع والشهور الماضية منذ أن أطل علينا الدكتور يوسف زيدان بنقده الحاد للأيوبي في برنامج فضائي يشاهده الملايين..

بادئ ذي بدء قبل تصور شخصية الأيوبي يجب دراسة الحالة السياسية في عهده، فقد حكم بين عامي 567 هـ حتى عام 589 هـ، وهو العام الذي توفى فيه ولم يكمل الستين عاما، ففي زمنه كانت دولة الموحدين المهدية تحكم إقليم المغرب العربي ..”تونس المغرب الجزائر”..وزعيمها ..”محمد بن تومرت”..الملقب بالمهدي المنتظر، والأندلس كانت تعج بالحروب الأهلية وحرب المسلمين ضد الفرنجة.. ولم تشفع مساعدات دولة الموحدين لإغاثة مسلمي الأندلس فتعرضوا لهزائم قاسية..

بينما الدولتين السلجوقية والفاطمية كانتا في أواخر أيامهما، أي دب الضعف في أهم سلطتين يحيطان بالخليفة العباسي ، والسبب أن السلاجقة حكموا كافة بلاد خراسان وآسيا الصغرى والوسطى ..حتى وصل نفوذهم لبعض مناطق العراق والشام، بينما الفاطميون لم يكونوا يحتكمون سوى على الشام والحجاز ومصر..

هذا الوضع يعني أن منطقة الشرق الأوسط (مصر-الشام -العراق-الحجاز) هي الحلقة الأضعف باعتبار أن الخليفة العباسي كان مجرد سلطة (معنوية) وليست (تنفيذية) أي صورة شكلية يدعى لها فوق المنابر فقط لكن ليس لها نفوذ حقيقي، فالضعف الفاطمي السلجوقي أغرى صلاح الدين بالتمدد شمالا وشرقا، ولم ير نفس الضرورة في التمدد غربا، لأن قوة الموحدين كانت تصل لأسماعه وحروب الأندلس الأهلية وقوة الفرنج في أسبانيا تقل من الرغبة في مهاجمتهم..

هذا يفسر لماذا وصلت حدود الدولة الأيوبية في عهد صلاح الدين كل منطقة الشرق الأوسط، فهي ببساطة كانت ميراث السلاجقة والفاطميين المنتهين، وهذه عادة تاريخية في تغير الدول بقيام السلطات القوية على أنقاض الضعيفة، لا أن يحارب القوي قويا مثله وقتها تطول الحرب وتنتهي في العادة باتفاق سياسي، أما الأيوبيون فقد سيطروا على الحكم بقيادة صلاح الدين بانقلاب عسكري (ناعم) على الخليفة العاضد..آخر خلفاء الفاطمية، وإيذان ببدء مرحلة جديدة يصبح فيها الأيوبيون هم أسياد المنطقة..

والأسئلة .. حتى الآن نحلل لشخصية عادية حكمت بلاد المشرق تطلعت للسلطة كنظرائها، لا هي معصومة ولا هي مقدسة بل بدأت عهدها بانقلاب عسكري واستغلال ضعف الفاطميين، يعني حتى لم تخض معركة ضد الجيش الفاطمي (القوي) وانتصرت فيها كي يُقال أنها بدأت عهدها ببطولة، بل خشيت مواجهة الموحدين في الغرب أو اجتياح الأندلس ومعاونة المسلمين هناك الذين كانوا يعانون الأمرين من الفرنجة، فما هو سبب تقديس تلك الشخصية وسر الهجوم على الكاتب يوسف زيدان بل أن وصل الأمر لتكفيره..وكأن الأيوبي رسولا يأتي إليه خبر السماء..!

ليست هذه الكلمات دفاعا أحد..بل أحفظ خلافي مع تصريح زيدان بأن صلاح الدين شخصية حقيرة، وهو توصيف نسبي كان حريا بالأديب الكبير أن لا يطلقه بهذا العموم، فكل إنسان فيه الخير والشر، ولا شياطين وملائكة في جنس البشر، كلنا نخطئ ونصيب..مع ذلك كان يجب على خصوم زيدان أن لا يبالغوا في الهجوم عليه..خصوصا وقد سبق لزيدان أن قال نفس الكلام منذ سنوات وطرحه عدة مرات في كتبه مستعينا بكتب ومراجع وأدلة تاريخية، أي لم يأت الرجل بشئ من عنده، وكان الأفضل أن نرد على الأدلة، وإلى اللقاء في الحلقة القادمة لاستكمال أسرار الأيوبي..

اترك تعليقاً

إغلاق