"هن" ملتقى الإبداع النسائي

ما لم يقله…أو هكذا تمنيت!

بقلم/ إسراء فيصل مقابل


الكلمات العصية، دائما لا تندفع الكلمات من فمي سوى في الانفعال، تخرج وكأن الباب الذي يحجبها في الأوقات الحلوة باب وهمي، أو وكأنها لديها قدرة خارقة لعبور الحواجز لا تملكها الكلمات الاخري.
اليوم أحاول وللمرة الأولى أن أزحزح ستار الكلمات وأهديها لها، لأول مرة لن اكتفي بكلمة المجاملة العادية التي أرد بها علي كل المواقف الجميلة من كل الناس والتي ترفض دائما أن تسمعها وتستغني بصمتي عنها.
هي أصدق من أخلص، وأحن من أحب، لم أصادف في عمري من أهتم بكل هذه التفاصيل الصغيرة في حياتي من قبل، أنا أيضا أهتم بالتفاصيل ولا أظهر. فقط عندما تذكرها تجدني اتذكرها. لعلها الوحيدة التي لم تحاول أن تخترق غموضي من قبل، تتقبلني وتتقبله وكأنه وحمة في رقبتي أو شعرة في ذقني لم يهذبها الحلاق.
أسائل نفسي أحيانا عن مصدر تلك القوة التي تمتلكها لتمنحها لي في أوقات ضعفي واحباطي، تستطيع وحدها بكلمات بسيطة أن تجعلني الرجل الأوحد في الأرض والقادر على مجابهة كل الحياة. لعلها لا تدرك أنها مصدر هذه القوة. لعلها لا تدرك ـ هي الصغيرة الساذجة الذكية المبهجة ـ أنها مصدر لشعوري بالأمان، فقد استسلم للنوم لساعات في حضورها، وبمجرد استيقاظي أول ما أصادف عينيها، ابتسامتها الصبوح، وأناملها تربت على رأسي وكأنني طفل يستقبل العالم لأول مرة. لعلها لا تدرك أن رسائلنا الصباحية هي بداية اليوم بالنسبة إلي، أن مشاركتنا الطعام الذي نفضله هو الطعم الحقيقي الذي أحب أن أتذوقه. كل الأشياء التي تجري دونها أشعر بوجودها حولي وانتظر تلك الابتسامة التي تقابلني بها وتطمئن عما جرى ولا أرد ولا تلح.
لم أذكر أنني يوما أهديتها شيئا، تصادفني الأشياء الجميلة واتخيل التماع عينيها وابتسامة وجهها وهي تقفز تطوق عنقي بذراعيها فتغمرني فرحتها ورائحتها الدافئة وانا اهديها لها ولكني اتراجع، لست أنا الشخص الذي يهتم بهذه الترهات. وهل هي أيضا تجدها ترهات؟ كم مرة فاجأ صديق صديقته بهدية دون مناسبة وكنا نحضر ونبتسم ونشارك احيانا في اعداد الاحتفال، هل انتظرت دورها وجلست تفكر في مفاجأتي لها؟ تري هل تشتري لنفسها الهدايا وكأنها مني؟ هل ترفع عني هذا العبء أيضا كما ترفع عبء المشاعر والكلمات؟
أذكر ذات يوم طلبت مني حلوى وأنا لا آكل الحلوى فلم أجيبها، كنت أود حينها أن أحضر لها كل محلات الحلوى ولكني لم أبالِ، فقط رددت “أنا لا آكل الحلوى”. آه لأنانيتي أو لخجلي، لا أعرف ما الذي منعني يومها أن اشتريها لها، ألا تستحق؟ لو أنني دخلت إلى عقل النساء لعرفت أن كلماتي تفسيرها لديهن “لا أود مشاركتك فيما تحبين، ولا أعبأ به من أساس…أنا لا أهتم”، لكن حقا أنا أهتم جدا ولكني لا أعرف كيف تسير مثل هذه الأمور.

وكيف لا أهتم وأنا لا أتخيل أسبوعا دون وجودها؟ أذكر أسبوعا سافرت فيه، كانت تمر أيامه عادية كما تمر كل الأيام ولكن شيءً داخلي يشعر بالوحشة، يفتقدها. لم أقل لها “وحشتيني”، قلت فقط “متي ستعودين؟”. وعندما عادت أطمأننت أنها بالجوار ولم أهتم أن نتقابل فورعودتها، طلبت فأجلت، فكررت، فأجلت، وعلي غير عادتها ألحت وكعادتي لم أهتم. كيف لم اسائل نفسي حينها عن إلحاحها؟ لماذا كنت أصارع وحدي الوحشة والافتقاد وأتركها تصارعهم أيضا وحدها دوني؟!
لا أعلم ما الذي يمنعني أن أشكرها علي كل ما تفعل، أن أقبل يديها بعد كل وجبة تعرف أني أحبها فتعدها لأجلي، أن أربت على كتفها بعد كل شيء تشتريه لي، أن أرسل لها قلبا بعد كل مفاجأة تبذل جهدا لتسعدني بها، أن اشتري لها عطرا أو وشاحا؟ لماذا أكتفي فقط بأن أكون موجودا كلما احتاجت إلي؟ هل هذا كافيا أم أني لا أملك المزيد أم لأنها لم تطلب المزيد؟
اليوم وأنا أجابه نفسي على الأوراق، أهديها كلماتي، أشكرها على وجودها الدائم، علي بهجتها، على تحملها، على دعمها، على قوتها، على احتوائها، على صبرها؛ أشكرها أنها لم تشعرني يوما أنها تحتاج المزيد، أشكرها على الرضا والتفاؤل، أشكرها على الذكريات التي تصنعها، علي التفاصيل التي لا تنساها، أشكرها على ضعفها أمامي وقوتي التي تزداد بها، أشكرها على لحظات ضعفي التي أمنتها عليها وصانت، وعلي لحظات الانفعال والغضب التي لم تقصها عني، أشكرها علي كل ما تمنته مني ولم أفعله ولم تتغير ولم ترحل، أشكرها على وجودها الفارق في حياتي… فقط أشكرها على كل شيء.
أدامك الله لي…!

اترك تعليقاً

error: هذا المحتوى خاص بجريدة الموجز العربي وهو محمي حسب حقوق النشر وقد يتعرض ناسخ المحتوى للمسائلة القانونية
إغلاق